الثلاثاء، 16 يونيو 2020

كيف تتشكل الهوية الثقافية؟

كيف تتشكل الهوية الثقافية؟

سأنطلق في شرح بعض إبدالات الهوية الثقافية بطرح الاسئلة التالية:
* ما العلاقة بين الهوية الثقافية والموروث الثقافي؟
* وهل نجاعة وإجرائية مفهوم الهوية الثقافية قادرتان على خلخلة يقينيات ورواسب الموروث الثقافي، التي قد ألفها الإنسان وارتاح لها؟
* وهل يصح الحديث عن هوية ثقافية مهتمة بالأسس الفكرية والثقافية البانية لميكانيزمات التفكير العقلاني السليم، ومبتعدة عن انتهاج أساليب الاختزال والانتقاء، التي تقود إلى تبني نماذج هوياتية غير مدروسة؟
يكمن الجواب على هذه الاسئلة في مناقشة إبدالات الهوية الثقافية. لكن هذه المناقشة سوف لن تفي بالمطلوب إلا إذا انطلقت من زاويتي نظر منهجية وموضوعية. فالزاوية الأولى نوضح من خلالها أن مفهوم الهوية الثقافية يعتبر من القضايا الشائكة التي تستلزم منن كل باحث، إعادة النظر في المعطيات الثقافية والفكرية ومختلف الأفعال وردود الأفعال المتفاعلة، سلبا أو إيجابا معها؛ بعد أن أصبح، بفضل شيوع وسائل التواصل الاجتماعي، واسع التداول والانتشار (خاصة على الساحة العربية والإسلامية). الشيء الذي بات معه التفكير في نحته من جديد؛ بشكل يجعله مفهوما واضح المعالم لا تشوبه الشوائب.
أما الزاوية الثانية فنرصد عبرها هذا المفهوم معتبرين إياه مفهوما متصف بالديناميكية وبالمرونة، لكونه يسعى إلى اختراق الحدود الثقافية، دون المساس بمقومات التأصيل الثقافي؛ وله، إلى جانب ذلك، قدرة إبستمولوجية، في حقل العلوم الإنسانية، على استيعاب مضامين المتغيرات والتحديات الجديدة على الساحة العالمية، وأثر هذه الاخيرة البادي على مختلف مظاهر حياتنا الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية.
الهوية الثقافية هي كيان خاضع لسيرورة متحركة في جميع الاتجاهات لكسب روابط وعلاقات جديدة تغنيها عن التقوقع وملازمة ثقافتها المحلية
يزخر وجودنا الإنساني بتعدد الهويات والثقافات. وهذا الغنى الثقافي الهوياتي نابع من تعدد آخر حاصل على مستوى الرؤية الفلسفية للعالم. ذلك أن الثقافة داخل كل مجتمع تبني كتلة من المسلمات والافتراضات يختارها المجتمع لأفراده وجماعاته على أنها وقائع سوسيوثقافية، ولدت مجموعة أفكار ومعتقدات تأسست وشكلت مقاصد ذلك المجتمع لحل إشكالية علاقة الإنسان بوجوده الاجتماعي؛ حيث يضع الفرد نفسه، بشكل واع وإرادي، ضمن أحد عناصر هذا المركب الاجتماعي.
فإذا سلمنا بهذا الاعتبار واضفنا إليه اعتبار آخر يرى أن الموروث الثقافي هو ثمرة كل مجهود إنسانيي على المستويين المادي والروحي المتصل اتصالا جدليا بالتاريخ والحضارة، جاز لنا طرح الأفكار والمواقف والتصورات التالية:
 أولا: أن الهوية الثقافية تشكل، حسب الباحث علي وطفة، منظومة معايير محددة لمستوى معين من ثقافة الأفراد والجماعات داخل المجتمع، فبها تُعْرَف وتُعَرَّف.
 ثانيا: تتسم بالغنى على المستويين الدلالي والمرجعي، في ارتباطها بالموروث الثقافي.
 ثالثا: مفهوم بنيوي بالغ التركيب يتأسس ويبنى في كل وقت وحين؛ في إطار علاقاتت تاريخية واجتماعية وثقافية. ولهذا فلا ينبغي، انطلاقا من طبيعته التركيبية هاته، اعتباره معطى جاهزا وناجزا، يقدم نفسه للباحثين والدارسين بسهولة ويسر.
رابعا: مفهوم يحيل إلى المشترك الثقافي والمجتمعي الموحد للأمة؛ ليشمل كلل الأنماط السلوكية والقيمية وكل المؤهلات الفردية والجماعية والمسلكيات المكتسبة، بفعل انخراط الناس في تجارب حياتية مليئة بكل ما استجد من معطيات المحيط العالمي المتغير باستمرار.
وعليه، وانسجاما مع هذه النقط الأربع، سالفة الذكر، يمكن بناء تصور جديد لكل هوية ثقافية، انطلاقا من رصد ذلك التفاعل الجدلي بينها وبين الموروث الثقافي المنفتح على كل معطى جديد. فالتفاعل الثقافي لا يكون حقيقيا إلا إذا كان مثمرا. ولا يكون كذلك إلا إذا سعى إلى تأسيس فعلل حضاري متماه وجوبا مع أفعال حضارية أخرى، مماثلة كانت أو مختلفة.. أفعال حضارية تتأسس جراءها، مع مرور الزمن والأحقاب، بنيات ثقافية إنسانية ذات جذع مشترك واحد. الهوية الثقافية، بناء على ما تقدم شرحه وتفسيره، هي كيان خاضع لسيرورة متحركة في جميع الاتجاهات لكسب روابط وعلاقات جديدة تغنيها عن التقوقع وملازمة ثقافتها المحلية.. هوية غير ساكنة، تجعل من التغيير قدرها الذي لا مفر منه، الذي سيؤدي بها حتما إلى أن تشهد في بنيتها الداخلية تحولات عميقة.

وهذه السيرورة هي ما يضمن لها، في نظر عدد من علماء الانثروبولوجيا، نوعا من الاستمرارية والانبناء المتجدد في الزمان وفي المكان، كسمة طبيعية تجعلها هوية ثقافية ديناميكية. إنها، بهذا المعنى، حركة مستمرة، عرف التاريخ بسببها منعطفات حاسمة من دورة الحضارة. أو بتعبير مالك ابن نبي، هي نظرية في السلوك أكثر من أنها نظرية في المعرفة؛ بحيث يكون التماثل أو الاختلاف في سلوك الأفراد والجماعات من نتاجاتها وليس من نتاجات التعليم. أو إنها حالة نفسية واجتماعية مميزة للحضارة ومحركة لقوى وقدرات الفرد والمجتمع، أو مجموعة قواعد أخلاقية وقيم اجتماعية مؤثرة في البنيات اللاشعورية للمجتمع.

الهوية العربية الإسلامية وسبل الانفتاح على الممكنات

الهوية العربية الإسلامية وسبل الانفتاح على الممكنات

حتى تستطيع هويتنا أن تخلق مجتمعا عربيا إسلاميا جديدا، تكون له القدرة على تنظيم العلاقات ما بين هوياته المختلفة، لتجاوز مثبطات نهوضه واستقلاله الذاتي، وحتى تستطيع تخطي ألغام كل من مفهوم الخصوصية ومفهوم الكونية وتجنب انحرافاتهما الإيديولوجية، يجب أن تتماهى مع القوانين الكونية النابعة من القيم الإنسانية الأصيلة.
لكن هذا التماهي لا يعني الذوبان الكلي في ثقافة الآخر السائدة، بل يعني التفاعل الإيجابي والبناء، دون المساس بالمقومات الحضارية والتراثية لدى الشعوب المعبرة عن هوياتهم. فلا وجود لهوية خارج التاريخ، سواء تعلق الأمر بهوياتنا العربية الإسلامية أو بالهويات الأخرى المتفاعلة معها سلبا أو إيجابا.

وهذا ما يمكن فهمه من خلال التعريف للهوية الذي يسوقه لنا الباحث عفيف البوني نقلا عن المفكر نديم البيطار من كتابه "حدود الهوية القومية"، ومفاده أن هوية كل أمة تكون مرتبطة بتاريخها الذي يشكلها. وهي بهذا المعنى شبيهة بأرض الوطن، الذي لا يمكن لأحد التفريط فيه أو التنازل عنه. فالولاء للوطن شيء مكتسب يتربى عليه الإنسان ويكون نتيجة حتمية للولاء للهوية. فالأوطان تعرف وتتمايز بهوياتها التي صنعها الفاعلون في تاريخهم الاجتماعي والسياسي.
لا يكتمل المعنى العلمي لمفهوم الخصوصية، في رأي المسيري، إلا إذا شكل إطارا تنظيميا داعيا إلى الانفتاح على كل حضارات العالم، يغرف منها، وليس فقط الانفتاح على الحضارة الغربية وحدها
 
المواطنة العالمية.. حدود الخصوصي والكوني
يكشف مفهوم الخصوصية، حسب المفكر عبد الوهاب المسيري، عن ثوابت إيديولوجية تساهم في تكريس نزعة ثقافية مركزية تجعل من أسلوب التفاضل بين ثقافات شعوب العالم غايتها الأولى، وتدفع، بالتالي، في اتجاه توسيع الهوة ما بين تلك الثقافات، انطلاقا من المعايير التقليدية التي تأسست عليها بعض المفاهيم التي ارتبطت بسياقات زمانية ومكانية معينة وبظروف تاريخية عاشتها أوروبا مع مستعمراتها، كمفهوم التقدم ومفهوم التأخر.
إن مواصلة طرح مفهوم الخصوصية بهذا المعنى الذي يضيق المساحة على الكوني والمشترك الإنساني يفقد هذا الأخير إجرائيته وقيمته العلميتين الكفيلتين بجعله إطارا مرجعيا أساسيا مساهما مع مفهوم الكونية في مد جسور التواصل الحضاري بين ثقافات العالم. وبهذا المعنى، لا يكتمل المعنى العلمي لمفهوم الخصوصية، في رأي المسيري، إلا إذا شكل إطارا تنظيميا داعيا إلى الانفتاح على كل حضارات العالم، يغرف منها، وليس فقط الانفتاح على الحضارة الغربية وحدها. فالانفتاح بهذا المعنى لا يكون مذيبا للخصوصيات بل معززا ومقويا القدرة على الاندماج للتماهي مع هذا التنوع اللامتناهي والغنى الثقافي الذي يطبع حضارات العالم. 
كما يكشف مفهوم الكونية، حسب إدغار موران، عن أسس قيمية مستقاة من عصر الأنوار. أسس حولتها العولمة إلى ثوابت إيديولوجية صيرت العالم أشبه ما يكون بسفينة فضائية تتجه نحو كوارث غير متحكم فيها. الشيء الذي تطلب من الحضارة الأوروبية المعاصرة، في نظره، إنتاج ترياق يكون بمثابة مضاد حيوي واق نابع من ثقافة الحوار والانسجام، ومن حضارة عالمية منمية لخصال الحياة المشتركة؛ تضع حدا للسباق نحو الهيمنة. ثقافة تنهل من النزعة الإنسية العالمية.

موضوع الهوية شائك ومعقد ينبغي تناوله وتدقيقه علميا لإزالة الشوائب التي علقت به جراء التوظيفات والاستعمالات الإيديولوجية التي حولته إلى مفهوم فضفاض وضبابي
ذلك أن الثقافة هي مرآة عاكسة لهويات أمم العالم، إذ لا أساس هوياتي دون ثقافة تشكل قاعدة تنظيمية لها؛ تتأسس عليها تلك الأحكام والمعايير والضوابط السلوكية والقيم الإنسانية الكونية المتماهية مع القيم المحلية.
نفهم من رأي إدغار موران أنه ينبغي البحث في مستويات نظر أخرى مغايرة للمألوف وما درجت عليه أوروبا على الخصوص والغرب على العموم، و طبعت به ثقافات العالم المختلفة عنها. مستويات نظر قد تكشف عنها العلوم الإنسانية مستقبلا، عندما تزداد حدة مفارقات عصر العولمة ويطالب الضمير العالمي بضرورة سن قوانين جديدة عادلة ومنصفة بقصد إخراج مواطنة عالمية، مبنية على حقوق سياسية ومدنية كونية، إلى حيز الوجود. مواطنة عالمية تجعل من كل إنسان (أي إنسان) مواطنا يعيش في عالم خال من الحروب، بكل راحة و اطمئنان.
 
خاتمة
خلاصة القول إن موضوع الهوية شائك ومعقد ينبغي تناوله وتدقيقه علميا لإزالة الشوائب التي علقت به جراء التوظيفات والاستعمالات الإيديولوجية التي حولته إلى مفهوم فضفاض وضبابي. إن البحث فيه وفي كل ما هو ثقافي وقيمي بغاية التشبث والتعلق بأهداب هوية ثابتة ومغازلة أطيافها السرمدية قد أخذ من الباحثين، لمدة عقود طويلة، كامل جهدهم الفكري والمنهجي بدون طائل، ولم يخلف لمجتمعاتنا العربية الإسلامية سوى الدمار والخراب. 
لذا، فقد بات من المؤكد على كل باحث متخصص في مجال الثقافة والهوية الحضارية التفطن إلى تداعيات وتحديات الألفية الثالثة والانكباب على الإجابة عن أسئلة الهوية ومكوناتها وأصولها وأسسها وثوابتها ومتغيراتها ومختلف تعبيراتها وتجلياتها وتمثلاتها العميقة، وكذا حدود التعايش أو الصراع بين مختلف مرجعياتها التاريخية. 

سؤال الهوية.. نحو نسق قيمي إنساني

سؤال الهوية.. نحو نسق قيمي إنساني

يعتبر التنوع الثقافي نتاجا حتميا لمبدأ الحق في الاختلاف ومظهرا من مظاهره. ولهذا فقد تطلب الأمر، بناء عليه، التفكير بجدية في رسم آفاق جديدة للكونية وللخصوصية، درءا لكل ميز بين الثقافات، أو كل مزايدات أيديولوجية، من شأنها التطاول على الخصوصيات؛ وتعزيزا وتقوية لروابط التواصل و لتفاعل بين حضارات العالم المعاصر . 
 
والحديث عن الكونية والخصوصية هو إثارة لموضوع الهويات وطبيعتها وأنواعها. لكن هل يصح الحديث عن الكوني دون وضع ضوابط وقواعد ورسم حدود بين الخصوصي والكوني، بين المحلي والعالمي؟ وعلى أي أساس يمكن إرساء الهويات، هل على أساس الثبات أم على أساس التغير؟ وبأي معنى يمكن فهم هوية عربية إسلامية "متحولة" و"واعدة"؟ وإلى أي حد يمكن طرح هذه الأخيرة كبديل عن هذه "الهويات" التي تناسلت بكثرة في المشهد الثقافي والسياسي العربي، منذ مطلع الألفية الثالثة، وأصبحت تُعْتَمَدُ كمرجعيات للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة؟
 
سؤال الهوية.. نحو بناء نسق قيمي عربي إسلامي
نعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة يتطلب طرح سؤالي الكونية والخصوصية، كما يستلزم بالضرورة طرح أسئلة أخرى مرتبطة بالهوية كتعدد، وبالغيرية كاختلاف، في أبعادهما الأنطلوجية والسيكلوجية والاجتماعية والثقافية والتاريخية الحضارية. ذلك أن الوعي بالذات الفردية والجماعية، لا يعتبر فقط جزءا من هويتهما الثقافية، بل هو مرتبط ارتباطا عضويا بالهوية الإنسانية.
 
وإقرارنا بهذا التوصيف يجعلنا نفكر، من جهتنا كعرب وكمسلمين، في مآلات الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة التي أصبحت تعيش، في أيامنا هذه، تحديات حضارية جد صعبة تجعلها في مفترق الطرق: فإما أن تسلك طريق النجاة الذي يضمن لها الاستمرارية والتفاعلية مع الوضعيات الجديدة الصعبة التي يفرضها عليها محيطها، أو تبقى أسيرة الصراعات التي تعصف بكيانها وهويتها التاريخية، وتصبح لقمة سائغة في يد "لوفتيان عولمي متوحش" لا حدود لرغباته، وطريق النجاة هذا هو مسلك حتمي يدفعها إلى معرفة كيفية تدبير اختلافها  تعددها الثقافي ومحاولة تعزيز وتدعيم السلوك الديمقراطي وترسيخ قيم المواطنة الحقة وقيم الاعتراف بالآخر المختلف. لهذا، فسؤال الهوية أصبح يشكل مطلبا أساسيا للثقافة العربية المعاصرة المراهنة على التنمية الحضارية، إنه سؤال الخصوصية و سؤال الكونية في ارتباطهما العضوي الدائم والأبدي. 
  
تعتبر الهويات مرجعا للأفكار والتمثلات والأحكام والمعتقدات، التي تمنح الأفراد والجماعات الشعور بالرضا والتوازن وعدم الضياع المؤدي إلى الإحساس بالاغتراب
    
لقد بات من المعلوم أن ظهور الألفية الثالثة قد صاحبه خطاب فوكوياما المكرس لمنطق نهاية التاريخ. ذلك الخطاب الذي ضيق -باسم الكونية- الخناق على كل خصوصية ثقافية؛ مما جعل من الكوني فخا منصوبا يستهدف كل تراث عالمي عميق ويصادر قيمه الإيجابية، لتحل قيم استهلاكية محلها. وسؤال الهوية هذا الذي نبحث فيه، هو مسلك ضروري لكل من يريد أن يتلمس الطريق نحو بناء نسق قيمي إنساني، فهو إن كان لا يقف عند حدود إجابات فلاسفة عصر الأنوار له فإنه -حسب إدغار موران- لا يخرج عن سؤال الأنسنة ليطالب بتحقيق ما هو أرقى وأعظم: إنسانية الإنسان، وذلك عبر تفعيل نوع من المصالحة بين الكوني والخصوصي، في ظل ثقافة إنسانية عالمية مُوَحَّدَةٌ منتجة للتنوع. ذلك أن الكوني يشكل اللحمة الموحدة لثقافات وهويات العالم، كما يعتبر مدبرا لمختلفها ومشتركها في زمن العولمة واقتصاد السوق .
 
وعليه، يمكن من جانب ثقافتنا العربية الإسلامية -التي تكالبت عليها ويلات ومصائب العولمة الاقتصادية- التفكير في بناء تصور جديد للإنسان العربي المسلم من أجل إرساء هوية عربية إسلامية متحولة، ومنفتحة على قيم الإنسان الكونية، ومتفاعلة مع إستراتيجيات هذه الأخيرة الموضوعة في المشترك الإنساني. فمواصلة نفس النهج المتبع منذ زمان والإبقاء على نفس التصورات القديمة، التي جعلت من الهوية العربية الإسلامية معطى ثابتا لا يتغير مع تغير الزمان والمكان، هو إجراء عقيم لم يعد يجدي أي نفع.
  
مأزق الهوية العربية الإسلامية
تعتبر الهويات مرجعا للأفكار والتمثلات والأحكام والمعتقدات التي تمنح الأفراد والجماعات الشعور بالرضا والتوازن وعدم الضياع المؤدي إلى الإحساس بالاغتراب، لكنها لا تغدو بنيات متحولة إلا إذا غادرت أرض التجانس واستطاعت تأسيس كينونتها على كل ما هو مختلف منفتح على عالم الممكنات، متجاوزة به الإطار الضيق الذي تتحدد به الهويات الثابتة. 
  
صراع الهويات، يجعل من كل خصوصية مرتعا لاستعلاء تتغذى عليه نزعات الإقصاء والتعصب وإرادات القوة والتحلل القيمي
إذا بنينا وفق هذا التصور الذات العربية الإسلامية، باعتبارها وحدة كلية، فإنه يستحيل النظر إليها، بأي شكل من الأشكال كمعطى ميتافيزيقي، بل كبناء منفتح على كل الممكنات ومحيل بالتالي على التعدد والكثرة. بناء معبر عن هوية متسمة بطابع تركيب يتحدد داخليا وخارجيا بمستويات أو بالأحرى بمجالات فرعية نفسية، اجتماعية وثقافية.
 
فوفق هذه الرؤية، يصح القول أن الذات العربية الإسلامية ستتماهى مع الكوني، بما هو تعبير عن كلية عالمية، لتشكل معه انبعاثا لأنسنة عربية إسلامية معبرة عن هذا القاسم المشترك بين كل البشر، ومعبرة أيضا عن الإنسان العربي المسلم في تعدديته ووحدته الشاملة للكل الإنساني، ودالة على مطمح عربي إسلامي قادر على تدبير الاختلاف والتعدد في الأمة، لاقتسام الخيرات وتحقيق كل عدالة منصفة قادرة على تحويل هوية ديناميكية ومتحولة مفترضة ساكنة في الأعماق، إلى فعل خلاق ومبتكر مولد للانسجام بين عناصرها.
 
وقياسا على هذا الافتراض، يمكن القول -وبكل أسف- إن الذات العربية الإسلامية في أيامنا هذه ليست بخير. فقد محت الأزمات تلو الأزمات وجودها كاختلاف، فبدت للقاصي والداني ذاتا بكينونة مذابة في نمط "وجود مشترك" يتحكم فيه غيرها، و هذا ما أفقدها تميزها وفرادتها وخصوصيتها وعمق لديها الإحساس بالدونية والاغتراب، فالعلاقة التي تجمعها بالغرب علاقة تفاضلية تطبعها الغرابة ويغمرها صراع الهويات وإقصاء البعض للبعض .
 
يبدو صراع الهويات هذا -الذي يملأ مشهدنا الثقافي والسياسي- مثيرا للشفقة وللحزن الشديد، لأنه صراع فارغ لا معنى له، يجعل من كل خصوصية مرتعا لاستعلاء تتغذى عليه نزعات الإقصاء والتعصب وإرادات القوة والتحلل القيمي، استعلاء يزيد في تضييق الآفاق الرحبة الواعدة بالعطاء الإنساني الذي لا ينضب.
 
إن اتجاه الذات العربية الإسلامية صوب آخرها الغرب يجب أن تحكمه أساسيات ومعقوليات ضابطة لتلك القصدية المفترضة المتبادلة بين كلا الطرفين. فالتفاعل لا يمكن إلا أن يكون عقيما غير منتج لأي تواصل حقيقي، إذا لم يسع إلى خلق مجال "بين-ذاتي" ينتعش فيه كل تواصل ممكن.

النخب السياسية.. لماذا تفشل في مناهضة الاستبداد؟

النخب السياسية.. لماذا تفشل في مناهضة الاستبداد؟

ما الذي يجعل نخبنا السياسيةََ العربية بمختلف مشاربها تفشل في مواجهة أنظمة الاستبداد، فتزيغ عن طريقها الثوري الذي رسمته لنفسها منذ اندلاع ما سمي بثورات الربيع الديمقراطي، وبالتالي تفقد -جزئيا أو كليا- مصداقيتها الشعبية فيشوب وحدة صفها التشتت والتشرذم والانقسام إلى ملل ونحل ومذاهب متناحرة؟ 
لا شك أن التفكير في عوامل هذا الفشل يجعلنا نقول بأن هناك شروطا ذاتية وموضوعية لم يتم استيعابها بشكل واف من طرف هذه النخب المعارضة، تجعلها تعي ذاتها بشكل جيد كتنظيمات تطرح نفسها كبديل يحمل مشروعا مجتمعيا يسعى إلى إحداث تغييرات جذرية في المجتمعات العربية. وعليه، فعدم توفر شرط الوعي بالذات هذا لا يجعل من تلك النخب المعارضة -في أعين الأنظمة العربية الاستبدادية- خصما نديا قويا، كما لا يجعلها -في أعين شعوبها- ممثلا حقيقيا لهذه الأخيرة أجدر بالثقة في الدفاع عن الحقوق المهضومة. 
 

فكيف يتحقق إذن شرط الوعي بالذات لدى نخبنا السياسية المعارضة لأنظمة الاستبداد؟ للإجابة عن هذا التساؤل يقتضي منا الأمر أن نقارب هذا الموضوع بحسب المنظور الفلسفي "الهيجلي"، الذي يفيد أن الوجود الإنساني يتأسس وفق جدلية "النفي والإثبات"، وأنه لا يمكن أن يتحقق شرط الوعي بالذات إلا إذا أخذ هذا الوجود البشري شكل صراع متبادل بين ذات وآخرها، لانتزاعِ الاعتراف بالوجود، مع إلغاء رغبة المنهزم في السيادة (العبد) وتثبيت رغبة المنتصر (السيد).
الإنسان العربي الفاعل في تاريخه، يعتبر مغيبا قد تم تعطيل فاعليته بسبب ما يعيشه من غبن مُقصٍ لذاتيته، وقلة كرامة ماسحة به الأرض، وجهل مركب سالبٍ لإرادته التواقة للتغيير
 
نفهم من هذه المقولة أنه لا يكون الجدل حقيقيا إذا كان نتاجا للمماثلة والتطابق بين الذوات، بل ينبغي أن يكون نتاج حركية ديناميكية تطبع الأشياء والموجودات لتنتقل من صيغة الإثبات إلى صيغة النفي (والعكس أيضا صحيح). فالجدل بهذا المعنى هو نتاج لأفعالِ المغايرةِ والاختلاف وليس نتاجا لأفعال المماثلة والمطابقة.
 
فالراصد لأشكال الصراع -قديمه وحديثه- بين نخبنا السياسية العربية المعارضة وأنظمة الاستبداد، سيرى أن هذين القطبين المتصارعين يُعتبران وجهين لعملة سيادية واحدة أصيبت بالعقم السياسي، لكونهما قد قدما ولا زالا يقدمان في هذا الإطار نموذجا لعلاقة تقابلية غير مثمرة بين كائن ممسوخ وكائن عقيم؛ فالأول يتمثل في الأنظمة العربية الاستبدادية، والثاني يتمثل في المعارضات العربية؛ فالممسوخ اعتبر كذلك لكونه يعيش خارج التاريخ بسبب فعله الاستبدادي، والعقيم اعتبر كذلك لكونه عاجز عن إنتاج الفعل التاريخي الأصيل المتولد عن جدلية "عبد/ سيد" حقيقية كما ساقها لنا هيجل. 
 
بعد هذا الإجراء التحليلي لهذه الجدلية، يمكن القول أن السيادة الحقيقية الفاعلة والمثمرة التي ينبغي على نخبنا السياسية العربية المعارضة أن تتماهى بها حتى لا تكون عقيمة هي تلك السيادة التي تجعل من الانتفاضات ضد الاستبداد ترقى إلى مستوى الثورات التاريخية الكبرى، فهذه الأخيرة قد استمدت مشروعيتها من الأسس الديمقراطية التي جعلت من الإنسان منذ بداية العصور الحديثة، قيمة القيم.

كيف يمكن تكسير طوق دائرة هذه الجدلية العقيمة؟ وهل من سبيل إلى نهضة عربية حقيقة قوامها العلم والمعرفة؟
 
الإنسان العربي الفاعل في تاريخه بناء على هذا الشرط، يعتبر مغيَّبا قد تم تعطيل فاعليته بسبب ما يعيشه من غبن مقصٍ لذاتيته، وقلةِ كرامةٍ ماسحة به الأرض، وجهل مركب سالب لإرادته التواقة إلى التغيير، وفقر مادي وفكري يجعله يحس باغتراب عن كل فعل تاريخي منسوب إليه. 
  

فـ"العبد" الذي يقبع في ركن قصي وعميق في لاشعورنا الجمعي العربي، والذي قد يصبح في يوم من أيامنا غير المشرقة "سيدا" بقدرة انتفاضة أو ثورة منقوصة الأركان، لا يستطيع بالتأكيد أن يمارس الفعل التاريخي الحقيقي الذي يقوده إلى إنتاج مجتمع التقدم والرخاء والرفاه، لأنه كائن لم يستوعب بعد شروط وجوده كإنسان لكي يستطيع تجاوز وضعية العبودية المخزية وينتقل، بالتالي، إلى وضعية السيادة الحقيقية المشرِّفة. 
وعليه، فـ"السيد العربي"، الذي تتعايش معه، قسرا، شعوبنا العربية في هذه الألفية الثالثة، هو في حقيقة أمره مجرد عبد لأدوات سياسية سالبة لإرادته، يعيش معها حالة اغتراب لأنها ليست من ابتكاراته وإبداعاته.. إنه في حقيقة أمره عبد "مخصي سياسيا"، وقد لبس في الظاهر جبّة الأسياد. أما "العبيد" الذين أصبحوا بانتفاضتهم عليه "أسيادا"، فهم كينونة "جديدة" لكنها تحمل في طياتها بذرة الاستبداد، وسترتد بفعل ذلك -إن آجلا أو عاجلا- إلى أصلها، لكن هذه المرة في شكل صور أكثر رداءة..، يمكن في الختام طرح تساؤلات أخرى :
 
كيف يمكن تكسير طوقِ دائرةِ هذه الجدلية العقيمة؟ وهل من سبيل إلى نهضةٍ عربية حقيقة قِوامها العلم والمعرفة؟ وبأي معنى يمكن فهم أن الإنسان العربي هو كائن يعيش على الهوامش.. فاقدا للأهلية الفكرية والسياسية القادرتين على جعله سيد نفسه؟ وما هي شروط تحرره من هذه الوضعية القاتلة؟
 
هذه جملة تساؤلات نطرحها لكي نفتح بها باب الاجتهاد على مصراعيه، لمعرفة ممكنات فعلنا الثوري الحقيقي وحدود اشتغاله، عمليا ونظريا، والخيارات التي تتيحها هذه المرحلة الصعبة التي تجتازها أمتنا العربية حتى لا نسقط، كمعارَضات، في مطبِّ عمل أقبح مما تقوم به الأنظمة الاستبدادية، عند تسلم زمام الأمور.
عن موقع مدونات الجزيرة 
الرابط 
https://www.aljazeera.net/blogs/2017/12/26/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AE%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87%D8%B6%D8%A9

عولمة الثقافات والقدرات الروحية للإنسان المعاصر

عولمة الثقافات والقدرات الروحية للإنسان المعاصر

بعد أن استوفينا أغراض التصورات المعارضة للعولمة في المقال السابق، ننتقل الآن لنطرح أفكار كتاب أجمعوا على أن ظاهرة العولمة لها وجه مشرق ساعدت على رسم ملامحه وسائل الاتصال الحديثة .
 

لقد سرعت وسائل الاتصال الحديثة، حسب كل من ستيفن كولمان وكارين روس، من وتيرة التحول الاجتماعي. إذ استطاعت، في رأيهما، تغيير طريقة تفكير الناس تجاه قيمهم وأنماط سلوكهم. وهكذا، وفي زمن قياسي قصير، اكتسب الناس آليات حوار أخرجت معتقداتهم الراسخة من بواطن اللاوعي إلى أسطح الوعي، فغذا كل شيء نسبيا، بعد أن كان مطلقا وثابتا. وقد ساعد هذا التغيير الناس على بناء هوية ذاتية مستقلة فتحت المجال لهم على مصراعيه للانخراط والمشاركة السياسية الإيجابية الواسعة والدخول في حوارات سياسية كانت بالأمس القريب من المحظورات.
  

وسوف لن تفلح وسائل الاتصال الحديثة كل هذا الفلاح، في رأي هذين الكاتبين، لولا تضافر عاملين أساسيين: توفير المعلومة وتيسير التواصل بتكلفة جد رخصية، لتتسع بعدها رقعة استعمال الإنترنت، لما لهذا الأخير من دور في تقوية روابط التواصل ما بين الناس. إذ شكل دعامة كبيرة لكل نشاط اجتماعي وأسهم في إثراء حياة البشر الاجتماعية، ولم يعد أحد ينكر الآن العلاقة التي أصبحت تربط الإنترنت بالحياة الاجتماعية. اتسم الحوار التفاعلي الناشئ، الذي خلقته وسائل الاتصال الحديثة، بالحرية وبالوعي وبكونه يمتلكك القدرة على تحسين التواصل الاجتماعي. هذه الخصائص التي اجتمعت فيه جعلته حوارا مرسخا للسلوك الديمقراطي، عمل على أن يشمل أطرافا متعددة من جنسيات متعددة.
 
وغير بعيد عن هذا الموقف، يرى الكاتب والمؤرخ التونسي الحبيب الجنحاني، أن وسائل الاتصال الجماهيرية، بفضل الإنترنت، قد ساهمت في توحيد ثقافات الأمم، وصهرها، على اختلافها، في بوتقة واحدة، فتقربت بهذا الفعل المسافات وتواصلت تلك الثقافات فيما بينها في ظل نظام عالمي جديد أحادي القطب، تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية.
  

هل تعني الأحادية القطبية أن العالم يمشي في اتجاه الأمركة؟
يجيبنا الباحث عبد الخالق عبد الله عن هذا التساؤل بقوله بأن الاقتصاد المعولم لا يعني بتاتا أمركة العالم، على الرغم من استفراد أمريكا بقيادة العالم. ذلك أن العولمة، في تصوره، ليست فرضا لقيم وثقافة مجتمع ما على قيم الثقافات الأخرى. ولا طمسا للهويات وللخصوصيات الحضارية. فهذه الأخيرة، في رأيه، قائمة، وستظل كذلك خلال وما بعد العولمة. يتقاطع، إلى حد ما، رأي عالم الاجتماع الأمريكي جورج ريتزر مع رأي الكاتب عبد الخالق عبد الله، حينما يعتبر أن العالم، بسبب العولمة، يشهد انتقالا نوعيا من الثقيل إلى الناعم، ومن الصلب إلى المتدفق. ذلك أن العولمة تمثيل لتغير بالغ الأهمية طرأ على التاريخ الإنساني وسيرورة تتضمن سيولة متزايدة وتدفقات للبشر والأشياء والأماكن والمعلومات، في الاتجاهات جميعها.

  
تدفع وسائل الاتصال الحديثة الإعلام الرقمي، الذي يبقى له، رغم هذا وذاك، مبادرات ومساع حميدة تسعى إلى دمج الجماعات المهمشة التي لم تجد منبرا حرا للتعبير عن وجهات نظرها
 
نفس الموقف يتبناه الكاتب محمد محفوظ، الذي يعتبر أن العالم دخل عهدا جديدا يشهد انكماشه ويرفع من مستوى ترابطات الأمم والشعوب والثقافات، بفضل هذه الثورة العلمية الرقمية المبتكرة لوسائل اتصال ومعلومات جديدة مؤثرة في بنية المجتمع العالمي المعاصر. عهد يقرب أجزاء العالم أكثر مما يباعد بينها ويساهم في بلورة وعي عالمي جديد مؤثر في القناعات السياسية. فالعولمة حسب هذا الكاتب، نتاج هذا التضاعف المعرفي المهول الذي يسجله التاريخ كل عقد من الزمان.

 
ومن زاوية مناهضة للعنف يرى أمارتيا سن أن المبادرات المدنية تعتبر شيئا لا مندوحة عنه على المستويين الوطني والعالمي، لأنها تشكل ميزات رئيسية للمسارات المدنية نحو بناء سلام عالمي. وهي، بهذا المعنى ترتبط بما يسميه بـ"الحكم بالنقاش" كسلوك ومنهج ديمقراطيين موسعين ينبنيان بالحوار وحرية المعلومات والنقاش الحر ويتجاوزان الإطار الكلاسيكي الذي رسم لهما المحدد بالاقتراع والانتخابات.


وعلى العموم، تدفع وسائل الاتصال الحديثة الإعلام الرقمي، الذي يبقى له، رغم هذا وذاك، مبادرات ومساع حميدة تسعى إلى دمج الجماعات المهمشة التي لم تجد منبرا حرا للتعبير عن وجهات نظرها، عبر نهج أسلوب جديد للمشاركة يأخذ بعين الاعتبار الآراء المهمشة أو الآراء التي تعبر عن وجهة نظر مخالفة. فالتقليل من قيمة فئة وعدم احترام كيانها يكرس فيها الشعور بالظلم الذي له نتائج جد وخيمة على المدى المتوسط والبعيد. فالإرهاب، حسب جورج فردمان، " ليس عدوا وإنما هو نوع من الحروب يمكن للعدو تبنيه أو عدم تبنيه".

 
وكحل لهذا التقاطب لدى مؤيدي ومعارضي العولمة، نستشهد، في الختام، بموقف جميل تجاهه تداعيات العولمة، عبر عنه الباحث محمد محفوظ، بأسلوبه الهادئ والرزين. موقف يكشف عن القوة الحقيقية التي جاء بها الإسلام كدين تسامح وتعادلية ووسطية ومزاوجة عادلة ومنصفة بين الجوانب الروحية والجوانب المادية. يقول الكاتب محمد محفوظ: "إن عملية التزواج بين التركيب والتفكيك في الوعي البشري، والتي قادت إلى إدراك المشترك الإنساني المادي، هي التي أسفرت أيضا عن إدراك المشترك الإنساني المعنوي، وذلك انطلاقا من أنه إذا كان الوعي الإنساني بعناصر البيئة الطبيعية هو الذي صاغ وشكل التطورات الحضارية الكبرى في تاريخ البشرية، وذلك وفقا لمستوى تطور هذا الوعي، فإن البحث عن منشأ هذا الوعي وموجهه، هو الذي سيقود إلى إدراك المشترك الإنساني المعنوي، ولقد قادت عملية التركيب في الوعي الإنساني إلى إدراك أن كل هذا الكون ما هو إلا نتاج لعقل مطلق يمثله الله سبحانه وتعالى، فهو عقل شامل محيط غير محدود".


كما قادت عملية التفكيك في الوعي الإنساني إلى إدراك أن التطور الإنساني ما هو إلا نتاج محدود يمثله الإنسان، وذلك العقل المحدود يكتسب معارفه بالتراكم والتوارث والخبرة والخطأ، فهو عقل جزئي محدود غير شامل وغير محيط. ولقد كان المشترك الإنساني المناسب للقيام بدور الوسيط بين العقل المطلق الذي يمثله الله سبحانه وتعالى، والعقل المحدود الذي يمثله الإنسان، يتمثل في " قيمة الحرية في الاختيار، فالله خلق لنا عقولنا لكي نستخدمها، لكي نختار بها، والقدرة على الاختيار تحمل في جوهرها معنى الحرية، حيث تمثل الحرية قيمة المشترك الإنساني المعنوي القابل لتوصيف العلاقة بين الله والإنسان باعتبار أن الحرية هي الشرط اللازم لصحة إيمان العقل الإنساني المحدود بالعقل الإلهي المطلق، والشرط لشرعية مبدأي الثواب والعقاب الإلهيين. فلا مجال لحساب الإنسان إلا لو امتلك حرية الاختيار بين الخير والشر وبين الخطأ والصواب وبين الكفر والإيمان، وبالتالي فالمشترك الإنساني المعنوي ما هو إلا ناتج عن عملية التركيب التي تقود إلى العقل المطلق أو عملية التفكيك التي تقود إلى العقل المحدود، هو" الحرية الإنسانية " تلك القيمة التي لو تم كبتها ومحاصرتها وتقليصها، لفقد الإنسان الجوهر والمعنى الذي يمنحه التفوق على كافة كائنات الأرض".

نستطيع القول، بناء على هذا الموقف الروحاني الجميل، وتماهيا مع موقف التونسي الحبيبب الجنحاني أن ضحايا العولمة يمكن أن يصبحوا فاعلين أساسيين فوق مسرح النضال الاجتماعي والسياسي. فهناك قوى دولية نزيهة قادرة على تغيير الوجه القبيح للعولمة بوجه مشرق يتجلى في الديمقراطية واحترام الحريات وبناء مؤسسات قائمة على مبادئ إنسانية كونية. فعليها أن تناضل من أجل تحقيق هذا المبتغى عبر دعم العمل السياسي والنضال الاجتماعي العالمي وكبح جماح المضاربات المالية لاقتصاد السوق الذي يشل القدرات الروحية للإنسان المعاصر.

التمايز الثقافي والمشترك الإنساني

التمايز الثقافي والمشترك الإنساني

مما لا شك فيه، تحتل تكنولوجيا الاتصال مركز الريادة في تسهيل عملية دمج العالم والتسريع بوثيرته. فبسببها تأثرت الأمم سلبا أو إيجابا بما يجري من تطورات وأحداث عالمية، مما جعل تلك الأمم أكثر وعيا بقدرتها على التأثير في مجرياته وتداعياته. فبفضل هذه الوسائل انكمش العالم وانمحت الفواصل بين المحلي والعالمي. لكن، أيضا بسببها ازداد اتساع الفجوة ما بين الفقراء والأغنياء وهيمنت ثقافة الاستهلاك والدعايات الإعلانية.
سنقسم هذا المقال إلى شقين. الأول سنقوم فيه بجولة في رحاب أفكار باحثين وكتاب تفاعلوا بالسلب مع ظاهرة العولمة وتداعياتها لعرض تصوراتهم تجاهها. أما الثاني فسنعرض فيه أفكارا ومواقف تفاعلت بالإيجاب مع العولمة، متناولين بالتحليل كل تلك التصورات (السلبية والإيجابية)، وتاركين للقارئ (ة) حرية اتخاذ الموقف الذي يقتنع به.
فموضوع العولمة، وإن استهلك بما يكفي، إلا أنه يبقى، كما يرى الباحث الإماراتي عبد الخالق عبد الله، إطارا مرجعيا لكل مشتغل في الحقول الاجتماعية والإنسانية (1). لما للعولمة من تأثير قوي في مجريات حياتنا المعاصرة الآنية والمستقبلية.
استطاع الغرب بقيادة أمريكية، بعد سقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة التوليتارية، خلق نظام اقتصادي معولم، أراد له أن يكون قويا ومتماسكا، لضمان اقتصاد عالمي متحكم فيه
وسائل الاتصال الحديثة والوجه الجبري للعولمة
يتفق جميع الكتاب، الذين سنقوم بعرض مواقفهم في هذا الشق الأول من المقال، على فكرة واحدة، وهي أن ظاهرة العولمة باتت شرا لا بد منه. ذلك أنه، نظرا للتطور المهول الذي تشهده وسائل الاتصال الحديثة، أصبح من المستحيل، في نظرهم، التحكم في تدفق المعلومات المنسابة من شبكات التواصل الاجتماعي، بشكل جعل التعولم يمس جميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية ويكرس، بفعل ذلك، واقعا جبريا لا مفر منه.
من هؤلاء الكتاب نجد المؤرخ الكندي ل. س. ستافريانوس، الذي يرى أنه، بانتهاج لأسلوب تفكيكي للحضارات والثقافات التي كانت تحظى بعمق تاريخي، عبر التنظير لأسطورة نهاية الإيديولوجيات الكبرى وافتعال لفكرة صدام الحضارات، استطاع الغرب السيطرة على بقية العالم. وبسبب هذا الإجراء التفكيكي اختل ميزان القوى بين دول الشمال ودول الجنوب، وازداد حدة بعد اندلاع الثورة الصناعية الثالثة (2)، التي لعبت فيها الشركات متعددة الجنسيات دور الناقل للتقنيات الجديدة في الزراعة والصناعة من العالم الأول إلى العالم الثالث.
وقد تولدت عن هذه الثورة، حسب هذا الكاتب، ثورة خضراء جعلت المؤسسات الزراعية تحل محلل الزراعة التقليدية العائلية وتنتج نوعا جديدا من زراعة تستفيد من التقنيات الحديثة، لينتشر بسرعة نظام جديد لإنتاج الغذاء إلى ما وراء البحار، حيث تنافس فيه المتنافسون للفوز بالسباق العالمي القائم بين إنتاج الغذاء ونمو السكان. انعكست تداعيات انتشار الثورة الزراعية سلبا على وضعية صغار الفلاحين، بخلقها لظروف مناقضة في الريف تجلت هذه الأخيرة في استفادة كبار الفلاحين وحدهم من الإصلاح الزراعي، نظرا لقدرتهم على تحمل نفقات التقنية الزراعية الجديدة.
وظيفة وسائل الاتصال الحديثة كان ظاهرها صناعة الرأي العام، وباطنها كان إنتاج خطابات تحريضية لتأجيج مشاعر الناس قصد اتخاذ مواقف معادية للثقافات غير الغربية
ودائما من منظور الكاتب ستافريانوس، ترتب عن هذا الوضع، تشكيل طبقة كبيرة من الفلاحين الصغار الذين أجبروا على النزوح إلى المدن الكبرى للعيش في هوامشها. فبدلا أن تكون هذه الثورة الخضراء نعمة على الجميع، أصبحت نقمة وسببا في تفاقم التفاوت الاقتصادي والتوترات الاجتماعية ونتاجا لسيادة العنف والإرهاب ومقدمة لثورات حمراء أتت على الأخضر واليابس (3).
استطاع الغرب بقيادة أمريكية، إذن، بعد سقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة التوليتارية، خلق نظام اقتصادي معولم، أراد له أن يكون قويا ومتماسكا، لضمان اقتصاد عالمي متحكم فيه، منتج للسلع والخدمات وموفر لأسواق كبرى تباع فيها تلك السلع. وقد طور لأجل تحقيق هذه الغاية، حسب الباحث الامريكي في علم السياسة جورج فريدمان، نظامه العسكري حتى يبقي الطرق البحرية مفتوحة ويحفظ النظام في المناطق التي تعرف توترا، لتسهيل رواج السلع بكل حرية (4). وقد وفق الغرب في هذه المهمة لانسجام اقتصاده المعولم مع صناعة جيل جديد من وسائل الاتصال الحديثة لعب فيها الإعلام الرقمي دورا كبيرا.
العولمة والوظيفة المزدوجة لوسائل الاتصال الحديثة
ولفهم هذا التطور الكبير الحاصل في مجال تكنولوجيا الاتصال والإعلام، يشرح لنا الفيلسوف الهندي أمارتيا سن الوظيفة الجديدة التي بدأت تضطلع بها هاته الوسائل. وظيفة كان ظاهرها صناعة الرأي العام، وباطنها كان إنتاج خطابات تحريضية لتأجيج مشاعر الناس قصد اتخاذ مواقف معادية للثقافات غير الغربية.
هذا التوظيف الإيديولوجي لتلك الوسائل ساعد، في نظر أمارتيا سن، على ظهور تنظيمات متطرفة تتبني معتقدات تدعو إلى التطرف والانقسام والتشتت وتنهج أسلوب العنف (5)، لقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة الغرب، حسب الباحث الأمريكي جورج فريدمان، على تركيب صورة كرستها بقوة في أذهان الناس، مفادها أن التطرف أصبح يشكل تهديدا فريدا من نوعه، باتخاذه شكل إرهاب يعتمد العنف الدموي لتحقيق مأربه السياسي (6). فبإعلان الحرب على ما سمي إرهابا، اعتبر الغرب تلك التنظيمات المتطرفة التهديد الوحيد الذي تعدى كل التهديدات الأخرى، الأمر الذي جعل حماية نفسه منها دافعا أساسيا لاستراتيجياته العسكرية التي كلفته توفير موارد هائلة للقضاء عليه.
إن ما رسخته وسائل الاتصال الحديثة في الأذهان من تصورات عن الإرهاب والعنف، يقول فريدمان، يكشف الوجه السيئ للعولمة. فما يشاهد صباح مساء على القنوات التلفزية وشبكات التواصل الاجتماعي من اندلاع نيران مشتعلة هنا وهناك لحروب أهلية وطائفية وعرقية، ومن تزايد مهول في نسب العطالة وتسريح العمال وهجوم مدروس ومخطط له على الطبقات المتوسطة وتراجع مهول لدور الدولة، ينم عن هذا الدور الخطير المتصاعد لوسائل الإعلام الحديثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) مقال: العولمة: جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها – د . عبد الخالق عبد الله – مجلة عالم الفكر المجلد الثامن والعشرون – العدد الثاني – أكتوبر / ديسمبر 1999 م – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – دولة الكويت – ص 39. 
(2) كتاب التصدع العالمي. العالم الثالث يشب عن الطوق الطبعة الأولى. ل. س. ستافريانوس ترجمة عن الإنجليزية موسى الزعبي وعبد الكريم محفوظ المجلد الثاني. ص 501

(3) نفس المرجع السابق. ص 503 
(4) كتاب: الامبراطورية والجمهورية في عالم متغير جورج فريدمان. ترجمة أحمد محمود. الدار المصرية اللبنانية 2016. الطبعة الأولى. ص 45 
(5) كتاب السلام والمجتمع الديمقراطي تحرير وتقديم أمارتيا سن ترجمة روز شوملي مصلح مراجعة غيث الضيقة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الطبعة الأولى شباط / فبراير 2016. ص – ص 121 – 122 
(6) كتاب: الامبراطورية والجمهورية في عالم متغير جورج فريدمان. ترجمة أحمد محمود. الدار المصرية اللبنانية 2016. الطبعة الأولى . ص 108

موقع مدونات الجزيرة 

الثقافة العربية.. والاختيار الثقافي العربي الواعي

الثقافة العربية.. والاختيار الثقافي العربي الواعي

بقلم : عبد الجبار الغراز 

يمكن القول بعد عرضنا في المقال السابق، لهذا الإطار العام حول الثقافة وأدوارها الطلائعية، أن ثقافتنا العربية لا تشذ عن هذا التوصيف، لأنها غنية بروافدها المتنوعة لكنها في الوقت الحالي وبتعبير "هاشم صالح" المفكر السوري، تعيش انسدادا تاريخيا، وتحتاج إلى التجديد لتغدو ثقافة تنويرية. فهل ينبغي "يتساءل" هذا المنظر أن نعيش كل هذه الحروب وما يرتبط بها من دمار وويلات وكوارث حتى تنبثق الأفكار التنويرية من رحمها؟ فالحاجة إلى التنوير، في نظره يعني انبثاق الأفكار من رحم التراث والبحث في التاريخ عن سبل جديدة لفهم الموروث الثقافي، وتربية النشء على الفكر العقلاني والحس النقدي. 
       
لكن هذا التنوير لا يعتبر معطى جاهزا، بل يحتاج في نظر محمود أمين العالم إلى تحديث البنيات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيش ركودا، حتى تستطيع الثقافة العربية أن تقوم بأدوارها على أكمل صورة. فالعقول الصغيرة تستقي من الماضي أفكارها الظلامية لتبعث بها روح التعصب وتذكي نار الحروب الطائفية والمذهبية. بينما تستلهم العقول الكبيرة من الماضي وتراث الأسلاف ما ينير طريقها نحو بناء مستقبل مشرق للأمة وللمجتمع. فكل بنية جديدة متشكلة ينبغي أن تكون إضافة نوعية إلى النسق الذي تنتسب إليه. والتحديث في نظر هذا المفكر، لا يكون حقيقيا إن لم يكن له صفة الإضافة النوعية وصفة الشمولية فدون ذلك يعتبر تعديلا في مستوى النسق أو ترقيعا في جزء من أجزاءه.
    
لقد ظلت الثقافة العربية لقرون عديدة مظلمة تعيش وضعية الجمود، بعد أن كانت في العصور الوسطى ثقافة حية وذات فاعلية متماهية مع عمقها الحضاري المشرق الشيء الذي يتطلب منها في فترتنا المعاصرة، أن تخرج من عزلتها وتنسف قواعد الجمود والتحجر التي تأسست عليها، من أجل الانفتاح على الرصيد الثقافي العالمي والمساهمة مع ثقافات العالم في تشكيل حضارة إنسانية فاعلة، وتخصيب كيانها، دون أن يعني ذلك الانبهار بما أنتجه الغير من معارف ومبتكرات جديدة وما ارتبط بها من أدوات وتقنيات جد متطورة.

  
لا يخفى على أحد منا أن أشكال المعارف والتعبيرات الثقافية الحديثة قد ارتبطت ببنية مجتمعية عربية عتيقة في عمقها
 
فالطبيعة الحالية للثقافة العربية ومختلف الوظائف الاجتماعية والفكرية "الجديدة" التي تملأها في ظلل عوامل التغريب والاستيلاب التي يتعرض لها الإنسان العربي، وفي ظل واقع عربي متسم بالتعقد والتركيب، تفرض على الباحثين التسلح بالموضوعية والحذر المنهجي، لتحليل مختلف عناصرها المكونة لها وتوصيفها توصيفا حقيقيا. فلا يخفى على أحد منا أن أشكال المعارف والتعبيرات الثقافية الحديثة قد ارتبطت ببنية مجتمعية عربية عتيقة في عمقها. وقد استطاعت هذه الأشكال تكييف إنتاجاتها وإبداعاتها وعطاءاتها مع واقع عربي منشد في عمقه إلى الماضي. وهذا الأمر استلزم ضرورة طرح تساؤلات حول مدى نجاعة المنهجيات المرتبطة بها في قراءة هذا الواقع وهذه البيئة الاجتماعية المركبة.
  
لهذا، ينبغي أن تكون مواقف النخب الثقافية العربية المعاصرة من هذا التحديث المنشود مواقف متجانسة، حتى نستطيع أن نقول إن هناك صيغة عامة متفق عليها من طرف الكل، أو على الأقل من طرف الأغلبية، ترسم لنا صورة متكاملة عن الاختيار الثقافي العربي الواعي الذي يقود المجتمع إلى التقدم والازدهار. وعليه ومن أجل تحقيق هذه النظرة المستقبلية ينبغي إنعاش روح وعي نهضوي عربي جديد، شبيه بذلك الذي ابتدأ أواخر القرن 19، شريطة أن يقيم مع هذا الأخير مسافة نقدية، ينتقل من خلالها من الوعي الإيديولوجي إلى الوعي التاريخي الجدلي التركيبي، بحيث تكون له القدرة على قراءة تحولات الزمن ومتغيراته الكمية والكيفية، ليستطيع بها استئناف عمله التحديثي، رغم العثرات والانتكاسات التي يعرفها الآن مجتمعنا العربي.

 
إن تسارع وثيرة التحولات العميقة التي يشهدها العالم المتحضر يتطلب من هذا الوعي مراجعة الحسابات وإعادة النظر في بعض المنطلقات الخاطئة التي أملتها ظروف الحرب الباردة، والتوقف عند مختلف التفاعلات التي حدثت مع ثقافات العالم من أجل تقييمها. وستكون الثقافة العربية، تبعا لهذه النظرة المستقبلية، أداة تمحيص وإدماج ونقد تتعرف من خلالها الذات العربية على نفسها وما يكتنفها من تناقضات ومفارقات بين ماض تنشد له العقول وحاضر متجدد باستمرار ومستقبل منفتح على جميع الممكنات.
عن موقع مدونات الجزيرة